ابن قتيبة الدينوري
596
الشعر والشعراء
إنّ لي نفسا توّاقة ( 1 ) ، فإن أنا صرت إلى أكثر ممّا أنا فيه فبعين ما أرينّك ( 2 ) ، فقلت : أشهد لي عليك بذلك ، فقال : أشهد اللَّه به ، قلت : ومن خلقه ؟ قال : هذين الشيخين ، فأقبلت على أحدهما فقلت : من أنت أعرفك ؟ قال : سالم بن عبد اللَّه ( 3 ) ، قلت : لقد استسمنت الشاهد ، وقلت للآخر : من أنت ؟ قال : أبو يحى مولى الأمير ( 4 ) ، فخرجت بهنّ إلى بلدي ، فرمى اللَّه في أذنابهنّ بالبركة حتّى اعتقدت منهن الإبل والغلمان ( 5 ) ، فإنّى لبصحراء فلج ( 6 ) إذا ناع ينعى سليمان ( بن عبد الملك ) ، قلت : فمن القائم بعده ؟ قال ( 7 ) : عمر ( بن عبد العزيز ) ، فتوجّهت نحوه ، فلقيني جرير بالطريق جائيا من عنده ، فقلت : يا أبا حزرة ، من أين ؟ فقال : من عند من يعطى الفقراء ويمنع الشعراء ، ولكن عوّل عليه في مال ابن السبيل ، فانطلقت فإذا هو في عرصة داره ( 8 ) قد أحاط
--> ( 1 ) تواقة : متطلعة ، تنزع إلى الشئ وتتطلع له ، والمراد هنا أنه يبغى الدرجات العلى ، ويعمل لها . ( 2 ) في الأساس : « تقول لمن بعثته واستعجلته : بعين ما أرينك ، أي : لا تلو على شئ فكأني أنظر إليك » فهذا معنى ، والمراد هنا أنه ينظر إليه بعين فيها كل الرضا عنه ، يعطيه مما آتاه اللَّه ، تنكير العين للتعظيم . ( 3 ) هو سالم بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ، من سادات التابعين ، وأحد الفقهاء السبعة المعروفين قال مالك : « لم يكن أحد في زمان سالم بن عبد اللَّه أشبه من مضى من الصالحين في الزهد والفضل والعيش منه » . ( 4 ) لم أجد ترجمة لأبى يحيى هذا ولا ذكرا إلا في هذه القصة . ( 5 ) يقال « اعتقد ضيعة ومالا » أي اقتناهما . وفى س ف « اعتقبت » بالباء بدل الدال ، ومعناها : وجدت في عاقبتها . ( 6 ) فلج ، بفتح الفاء وسكون اللام : موضع في الصحراء . ( 7 ) س ف « قيل » بدل « قال » . ( 8 ) عرصة الدار : وسطها ، والعرصة : كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء .